النجاح والفشل
أدرك بأسفٍ أن هذه الفصول القصيرة قد تعطي، خصوصًا للقارئ الواثق المتحمس، انطباعًا خاطئًا: انطباعًا بالبساطة. وأخشى أنه حين تصحّح التجربة هذا الانطباع بخشونة، قد يترك هذا القارئ المشروع كله في نوبة اشمئزاز، إن لم يُحذَّر بأشد ما يكون التحذير، ثم يتخذ إلى الأبد موقفًا ساخرًا غير مهذب من كل نظريات التحكم في الآلة البشرية.
المشروع ليس بسيطًا. إنه قائمٌ على مبدأ بسيط واحد، وهو التأديب الواعي للدماغ بعادات تفكيرٍ مختارة، لكنه معقّد بقدر ما يمكن لشيءٍ أن يكون معقّدًا. الغولف المتقدم لعبُ أطفالٍ بجانبه.
الرجل الذي يقول لنفسه باختصار: «سأستيقظ في الثامنة، ومن الثامنة والنصف إلى التاسعة سأفحص دماغي وأضبطه، وهكذا تتحسن حياتي فورًا حتى لا تُعرف»، هذا الرجل مكتوبٌ له أن يلقى مفاجآتٍ غير سارة. سيكون التقدم بطيئًا. وقد يبدو التقدم سريعًا جدًا في البداية، ثم تأتي فترةٌ لا يجدي فيها شيء، وقد يعاني من يريد قهر دماغه سلسلةً من أفدح الهزائم. وفي تشاؤمه قد يتخيّل أن كل تعبه ذهب سدى، وأن المتسكّعين غير الجادّين في حدائق المعارض وقرّاء الروايات في الصالونات كانوا على حق في النهاية. بل قد يشعر بشيءٍ من الخجل من نفسه لأنه، كما يظن، خُدع بوعودٍ برّاقة، مثل من يشتري دواءً من دجّال.
القناعة بأن جهدًا كبيرًا بُذل دون أي تقدم هي أخطر ما يواجه المبتدئ في العناية بالآلة. وأؤكد بيقين أنها في كل الحالات قناعةٌ لا تسندها الحقائق، وأنها في الغالب مجرد ردّ فعلٍ بعد التعب، تشجّعه غريزة الكسل. ولا أظنها تصمد أمام فحصٍ نزيه. لكنني أعرف أن الإنسان، لكي يجد عذرًا لترك أي جهدٍ إضافي، قادرٌ على أن يقنع نفسه بأن جهده الماضي لم يُثمر شيئًا على الإطلاق. هكذا هي غرابة الآلة البشرية. وأرجو كل دارسٍ لنفسه أن يتأمل هذه الملاحظة بكل ما لديه من أمانةٍ فكرية. إنه تحذيرٌ جادّ.
حين يلاحظ المعتني بالآلة أنه يغيّر زاوية نظره كثيرًا؛ وحين يلاحظ أن ما كان يراه لبّ المشكلة بالأمس قد هبط اليوم إلى تفاهة، وحلّت محله ظاهرةٌ جديدة؛ وحين يستيقظ ذات صباح فيرى، بلمحةٍ جديدة غير متوقعة في أعماق الآلة، أنه كان مخطئًا تمامًا حتى الآن وعليه أن يبدأ من جديد؛ وحين يتساءل كيف أمكن أن يكون أعمى وغبيًا إلى حد ألا يرى ما يراه الآن؛ وحين تحجب الرؤيةَ الجديدة خيباتٌ جديدة وتضيّقها تحفّظاتٌ متواصلة؛ وحين يغمره تعقيد مشروعه، عندئذ فليتشجع، لأنه ينجح.
فتاريخ النجاح في أي فن، والعناية بالآلة فن، هو تاريخٌ من البدايات المتجددة، ومن تبدّد الشكوك وتكوّنها من جديد، ومن تصوّرٍ يتسع باستمرار لمساحة الأرض التي لم تُفتح بعد، وتصوّرٍ يضيق باستمرار لمساحة الأرض التي فُتحت.
واللافت أنه، مع أن أي مشروع لا يمكن أن يقدّم إثارةً أكثر تنوعًا وتقلّبًا من السيطرة على الدماغ، فإن الخطر العظيم الثاني الذي يهدد نجاحه النهائي ليس سوى جفاف الحماسة له! كان المرء سيظن أنه في أمرٍ يمسّه عن قربٍ إلى هذا الحد، وقد تكون نتائجه حيوية له بالمعنى الحرفي، ويمكن أن تدور عليه سعادته وشقاؤه بالتأكيد، لن يملّ الإنسان من مجرد السأم. ومع ذلك هذا ما يحدث. لقد لاحظت مرارًا ترك هذا المشروع العظيم المثير، مؤقتًا أو نهائيًا، بسبب مجرد قلة الاهتمام.
وأتصوّر أن الاهتمام به سيذبل في كل الحالات تقريبًا، إلا تلك التي تجعل فيها قوة إرادةٍ أصيلة استثنائية المشروعَ غير ضروري تقريبًا، ما لم يُغذَّ بانتظام من الخارج. وهذا الاهتمام لا يمكن تغذيته من الخارج بالحديث مع غيرك من مروّضي الأدمغة. فهناك أشياء لا يجوز أن يناقشها الناس الأسوياء، وهذا منها. فالأمر حميمٌ أكثر من اللازم، وأخلاقيٌّ أكثر من اللازم أيضًا. وحتى بعد دقائق قليلة فقط من الكلام عن هذا الموضوع، تبدو عدوى قاتلة تتسلل إلى الجو: عدوى التعالي الأخلاقي والتحذلق. (أم أنني مخطئ وأتوهّم هذا الرعب؟ لا، لا أستطيع أن أصدق أنني مخطئ.)
لذلك يجب أن تأتي التغذية من القراءة؛ قليلٌ من القراءة كل يوم. أظن أن هناك آلاف المؤلفين الذين كتبوا بصدقٍ متفاوت عن إدارة الآلة البشرية. لكن اثنين منهم يبرزان عندي بسهولة فوق الجميع: ماركوس أوريليوس وإبكتيتوس. ولم يُكتشف الكثير منذ زمنهما. كتب ماركوس أوريليوس في الكتاب التاسع من «التأملات» قبل أكثر من سبعة عشر قرنًا: «إن كمال الحياة قوةٌ تسكن في الروح.»
يُعدّ ماركوس أوريليوس بالتأكيد أعظم كتّاب مدرسة الآلة البشرية، ويرى كثيرون أن عدم قراءته يوميًا عادةٌ سيئة. وكاعترافٍ ذاتي، يقف عمله وحده بلا نظير. لكن كدليلٍ عملي للوجود، أقدّم أحاديث إبكتيتوس على ماركوس أوريليوس. إبكتيتوس أخشن؛ سيصفك بالغبي بمجرد أن ينظر إليك. إنه ظريف، بل فكاهي، ولا يبتعد أبدًا عن أحداث الحياة اليومية. وهو مفعمٌ بما يمسّ واقع القارئ المعاصر. لقد كان عبدًا معتَقًا. أما ماركوس أوريليوس فكان إمبراطورًا، وفيه الكآبة التي لا بد أن يعاني منها كل الأباطرة. إنه روحٌ أرقى من إبكتيتوس، لكنه في رأيي ليس رفيقًا بنفس الفائدة. فليس كلنا يتنفس بحرية في أجوائه.
ومع ذلك يجب بالطبع أن يُقرأ، ويُعاد قراءته باستمرار. حين تنتهي من إبكتيتوس، ويكفي صفحةٌ واحدة أو فقرة واحدة في اليوم تمضغها جيدًا وتهضمها، تستطيع أن تنتقل إلى ماركوس أوريليوس، ثم تعود إلى إبكتيتوس، وهكذا، صباحًا بعد صباح، أو ليلةً بعد ليلة، حتى نهاية حياتك. وسيحفظان لك اهتمامك بنفسك.
أما في موضوع التركيز، فأنا أتردد في أن أوصي بكتاب «قوة الفكر» للسيدة آني بيزانت، ومع ذلك قد أكون ظالمًا إن لم أوصِ به، نظرًا لأثره الهائل فيّ. إنه ليس من أفضل كتب هذه المرأة المدهشة. وهو موجّه لأتباع مذهبٍ روحي معيّن، ولا يُفهم كاملًا إلا في ضوء عقائدهم. وفيه قدرٌ ملحوظ مما يبدو لي عاطفيةً ضعيفة، وكثيرٌ من العقائد المسلّم بها بلا دليل. لكنه أقل كتيّبات الدماغ التي صادفتها إخفاقًا. وإن تجاهل القارئ كل ما هو غامض أو ثرثرة بالنسبة إليه، فسيبقى له قدرٌ كبير جدًا من المعلومات والنصائح السليمة جدًا.