إرهاق الآلة بلا داعٍ
تحدثت عن السببين العامّين الرئيسيين للاحتكاك في الاستعمال اليومي للآلة. وسأتحدث الآن عن سببٍ ثانوي، ثم أنتهي من الشؤون اليومية. وهذا السبب الثانوي، ولست متأكدًا في النهاية من أن نتائجه هيّنة بما يكفي لتبرير وصفه بـ«الثانوي»، هو إجهاد الآلة بإجبارها على عملٍ لم تُصمَّم له أصلًا. فمع أننا عاجزون عن إقناع آلاتنا بأن تؤدي بكفاءة ما يجب عليها أن تؤديه بطريقةٍ ما، فإننا نُثقلها باستمرار بمهامّ لا ضرورة لها على الإطلاق ولا طائل منها. يبدو أننا لا نستطيع أن نترك الأشياء وشأنها.
مثلًا، في البيت العادي تُنفق كميةٌ سخيفة حقًا من قوة الآلة في القتال من أجل الحقيقة. هذه الحماسة الخالصة لإثبات الحقيقة وإقرار الجميع بها تُسمّى عادةً «حبّ المخالفة». لكنها بالطبع ليست كذلك؛ إنها شيءٌ أسمى.
تقول زوجتي إن آل جونز انتقلوا إلى شقةٍ جديدة إيجارها 165 جنيهًا في السنة. لكن جونز أخبرني شخصيًا أن إيجار شقته الجديدة 156 جنيهًا في السنة. فأصحّح لزوجتي. ولأنها تعرف أنها على حق، تصحّح لي. إنها لا تحتمل أن ينتصر الباطل. المسألة ليست مسألة تسعة جنيهات، بل مسألة حقيقة. وحماستها للحقيقة تثير حماستي للحقيقة.
قبل خمس دقائق لم أكن أبالي قيد شعرة إن كان إيجار شقة آل جونز الجديدة 165 أو 156 أو 1056 جنيهًا في السنة. أما الآن فيهمّني بشدة أن يكون 156. لقد حوّلت نفسي إلى جمعيةٍ خاصة لنشر الحقيقة عن إيجار شقة آل جونز الجديدة، وفعلت زوجتي الشيء نفسه. وفي البلاغة، وفي مهارة الجدل، وفي المراقبة الصارمة لأعصابنا، يبدّد كلٌّ منا كمياتٍ هائلة من تلك الطاقة الثمينة جدًا علينا. والنتيجة الصافية: لا شيء.
لو أن واحدًا منا فهم المبادئ الأولية لهندسة الإنسان، لقال في سرّه:
«الحقيقة لا تُدمَّر. الحقيقة ستظهر. والحقيقة لا تستعجل أبدًا. إن لم تظهر اليوم فستظهر غدًا أو في العام القادم. إنها قادرة على أن تعتني بنفسها. في النهاية ستعرف زوجتي (أو زوجي) الحقيقة الكونية الجوهرية عن إيجار شقة آل جونز الجديدة. أنا أعرفها الآن، واللحظة التي ستعرفها هي أيضًا ستكون لحظة انتصاري. لن تحتفل بانتصاري علنًا، لكنه سيكون حقيقيًا مع ذلك. وستترسّخ سمعتي في الدقة وضبط النفس الهادئ. وإن كنت، بسوء حظٍ نادر، مخطئًا، فسيكون أفضل لي بكثير في يوم انكشافي أنني لم أكن متأكدًا أكثر من اللازم الآن. ثم إن أحدًا لم يعيّنني الحارس الوحيد للحقيقة العظمى المتعلقة بإيجار شقة آل جونز الجديدة. لم آتِ إلى العالم لأكون خزنة أمانات، وأمورٌ أكثر إلحاحًا تدعوني إلى بذل الجهد.»
لو تأمل أحدنا هكذا، لتجنّبنا كثيرًا من الاحتكاك الذي لا داعي له، ولوفّرنا الطاقة، ولما تعرّضت كرامتنا للخطر، ولما تضررت قضية الحقيقة المقدسة أدنى ضرر، ولبقي إيجار شقة آل جونز الجديدة على أي حال كما هو بالضبط.
وإضافةً إلى إجهاد الآلة بقلقنا المفرط على انتشار الحقيقة، فإننا نعطي اهتمامًا مفرطًا جدًا لحالة آلات الآخرين. ولا أستطيع أن أستنكر هذه العادة المدهشة بما يكفي من القوة والسخرية. ستجدها متفشّية في كل بيت تقريبًا وكل مكتب تقريبًا. أغلبنا يحاول أن يعيد ترتيب الآليات في رؤوسٍ غير رأسه. وهذا خطِرٌ دائمًا، وعقيمٌ غالبًا.
فإذا تذكّرنا الصعوبة التي نلقاها مع أدمغتنا نحن، حيث جهودنا مقبولة يقينًا على أنها حسنة النية، وحيث لدينا على الأقل فكرة تقريبية عن تركيب الآلة، فإن جرأتنا في المغامرة بين الضبطات الدقيقة لأدمغة الآخرين لافتةٌ حقًا. لقد ابتُلينا بقدرٍ مفرط من روح التبشير. لا بد أن نبحر إلى بلاد دماغ أخينا البعيدة، ونشرح هناك أن الأمور في تلك الأرض الضالّة خاطئة خطأً جسيمًا، ونصبح مزعجين على أمل إصلاحها. لدينا دماغنا وجسدنا كاملين لنفرغ فيهما شخصيتنا، لكن هذا لا يكفي؛ لا بد أن نمدّ شخصيتنا أبعد، كأننا قوةٌ استعمارية سكرتها فكرة «رسالتها الحضارية».
من الأسرار الجوهرية للعيش اليومي الكفء أن نترك رفاقنا اليوميين وشأنهم أكثر بكثير مما نفعل، ونهتمّ بأنفسنا. إن كان أحد رفاقك اليوميين يدير حياته على مبادئ تعرف أنها خاطئة، وبنتائج تشعر أنها مزعجة، فالقاعدة الآمنة أن تُبقي فمك مغلقًا. وإن اضطررت بسبب غرورك الفريد إلى فتحه، فافتحه بكل الاحتياطات، وبالتهذيب الرسمي الذي تستعمله مع غريب. الألفة ليست عذرًا للأسلوب الخشن، مع أن أغلبنا يبدو أنه يظنها كذلك.
أنت لست مسؤولًا عن الكون؛ أنت مسؤول عن نفسك. لا يمكنك أن تأمل في إدارة الكون في وقت فراغك، وإن حاولت فالأرجح أنك ستُفسد الجزء الذي تلمسه من الكون، مع إهمالك لنفسك إهمالًا خطيرًا. وفي كل أسرة يوجد عادةً شخصٌ يقوده اهتمامه المتطفل بالآلات الأخرى إلى احتكاكٍ خطير في آلته هو.
انتقد أقل، حتى في خلوة غرفتك. ولا تلُم أبدًا. اقبل محيطك وتكيّف معه بصمت، بدل أن تحاول بصخبٍ أن تكيّف محيطك معك. هنا الحكمة الحقيقية. ليس من شأنك أن تتعدّى حدود فرديتك. وفي هذا التعدّي وقاحة. هذا واضح. ومع ذلك فإن من أهم أنشطة الحياة المنزلية التقافز عشوائيًا في حدائق الآخرين الخاصة. وما أقوله ينطبق حتى على العلاقة بين الآباء والأبناء. ومع أن وصيتي مبالغٌ فيها، فالمبالغة مقصودة لتوازن بفعالية المبالغة في الاتجاه المعاكس.
كل الشخصيات غير شخصيتك جزءٌ من محيطك. وعملية التطور جارية على ما يرام، وهم جزءٌ منها. عاملهم على أنهم حتميون. والقول إنهم حتميون لا يعني أنهم غير قابلين للتغيير. لكن تغييرهم ليس شأنك في المقام الأول؛ إنه شأنهم. شأنك أن تستعملهم كما هم، دون ادّعاء فضيلة ولا لوم ولا شكوى، لتمضي أهدافك بسلاسة.
وليس المقصود هنا أن نُسقط عنهم المسؤولية بحرمانهم من الإرادة الحرة، بينما نحمّلك أنت المسؤولية ككائنٍ حر. فكمحيطٍ لك يجب أن يُقبَلوا على أنهم حتميون، لأنهم حتميون فعلًا. لكن كمراكز قائمة بذاتها، لهم مسؤوليتهم الخاصة، وهي ليست مسؤوليتك.
وهنا يدخل السؤال التاريخي: «هل لنا إرادة حرة، أم نحن دمى في يد الجبر؟» كسؤالٍ هو ساحرٌ وعقيم. لم يُحسم قط، ولن يُحسم أبدًا. لا يمكن هدم نظرية الجبر بالجدل. لكن كل إنسان، بمن فيهم أعند أنصار النظرية، يهدمها في قلبه كل ساعة من كل يوم. ومن جهة أخرى، يمكن هدم نظرية الإرادة الحرة بالاستدلال العقلي! فبئسًا للاستدلال العقلي إذن!
إن اعتبرنا أنفسنا كائناتٍ حرة، واعتبرنا الشخصيات المحيطة بنا دمى في يد الجبر، فسنكون قد وصلنا إلى التسوية العملية التي تُستخرج منها أفضل نتائج العيش. وتجربة القرون الفلسفية، إن كانت قد أثبتت شيئًا، فقد أثبتت هذا. والرجل الذي يعمل به في الاتفاقات والاصطدامات العادية المبتذلة لتلك التجربة الصعبة التي نسمّيها الحياة اليومية، سيقتنع سريعًا بقيمته العملية.