«حريق!»
في عمل العيش اليومي هذا، وفي استعمال الآلة العادي في التعامل مع الناس ساعةً بعد ساعة، تحدث أحيانًا ظاهرةٌ تسبب قدرًا كبيرًا من المتاعب، وهي نتيجةُ آلةٍ مُهمَلة جدًا. ظاهرةٌ لا يمكن تجاهلها، ومع ذلك فهي مخزية ومهينة وصادمة وبائسة إلى حد أنني أتردد في ذكرها. فصنفٌ من القرّاء سيسخر مني بالتأكيد قائلًا بتعالٍ: «حقًا لا يتوقع المرء أن يجد مثل هذه الأمور مطبوعةً في أيامنا!» وصنفٌ آخر سيغضب بالتأكيد. ومع ذلك، لأن من أهم أهدافي في هذا الكتاب أن أناقش الأمور التي «لا يتحدث عنها الناس»، فسأناقش هذا الأمر. لكن تردّدي كبير إلى حد أنني يجب أن أقترب منه بطريقٍ ملتوٍ، فأصفه أولًا بتشبيه.
تخيّل أنك تنظر إلى بيت رجل، فترى فجأة أنه يحترق. اللهب بالكاد يُرى، وتستطيع أن تطفئه لو كانت يدك مطلقة. لكن يدك ليست مطلقة. إنه بيته لا بيتك. وقد يعرف أو لا يعرف أن بيته يحترق. لكنك تعرف بالتجربة أنك لو لفتّ نظره إلى اللهب، فسيكون أثر تحذيرك غريبًا جدًا، بل يكاد لا يُصدَّق: سيبدأ فورًا بإشعال أعواد الثقاب، وصبّ النفط، والنفخ في اللهب، مستاءً بعنفٍ من تدخّلك.
لذلك لا تستطيع إلا أن تقف وتشاهد، آملًا أن يلاحظ ألسنة النار قبل أن تخرج عن السيطرة فيطفئها. لكن الأرجح أنه سيلاحظها بعد فوات الأوان. وأنت العاجز عن منع الكارثة محكومٌ عليك بأن تشاهد تلف ممتلكاتٍ ثمينة. تتصاعد ألسنة النار أعلى فأعلى، ولا تخمد حتى تأكل نفسها. فتصرف بصرك عن المشهد، ويتظاهر صاحب البيت حتى ترحل بأن شيئًا لم يحدث. وحين يخلو بنفسه يلعنها على إهماله.
ما سبق وصفٌ لما يحدث حين يمرّ الرجل بالتجربة الحارقة المعروفة باسم «فقدان أعصابه». (ها قد خرج القطّ من الكيس!)
الرجل الذي فقد أعصابه رجلٌ «يحترق» ببساطة. وحاله من أغرب المشاهد التي تقدمها الحياة، وأشدها إذلالًا للجميع. إنها تمرّد، وغليانٌ يفيض، وعاصفةٌ تكتسح كل شيء. تذبل الكرامة والحسّ السليم والعدل وتُدمَّر. وتسود الفوضى. لقد كسر الشيطان قيده. والغريزة تدوس وجه العقل. وفي ذلك الرجل تراجعت الحضارة مؤقتًا ملايين السنين. والأمر بالطبع يرقى إلى مرضٍ عصبي، وأظنه شبه عام.
تحتج فورًا بأنك لا تفقد أعصابك أبدًا، وأنك لم تفقدها منذ دهور! لكن ألا تعني أنك لم تحطّم الأثاث منذ دهور؟ هذه الحرائق متفاوتة الشدة. بعضها يشتعل بخفوتٍ شديد، لكنها تشتعل. رجلٌ يفقد أعصابه، وآخر «يتعكّر» فقط، لكن الحدث من النوع نفسه.
حين «تتعكّر»، حين تشعر باهتزازٍ من الاستياء يفاجئ كيانك كله، حين يتغير صوتك، حين تلاحظ تغيّرًا في سلوك رفيقك الذي يدرك أنه «لمس نقطةً حساسة»، فقد لا تصل إلى حد تحطيم الأثاث، لكن حريقًا قد شبّ، وكرامتك قد تضررت. وأنت تعترف بذلك لنفسك بعدها. أنا واثق من أنك تعرف ما أعني. وأكاد أكون واثقًا من أنك، بصراحتك الشجاعة، ستعترف بأنك تعاني من حينٍ لآخر من هذه «الحرائق» الغامضة.
يُعتقد عمومًا أن «الطبع الحادّ»، وهو من أوبئة المجتمع البشري، لا علاج له إلا بالعملية الغامضة المسماة «ضبط النفس»، وهي عملية نادرًا ما تأتي بنتائج نافعة. ويُنظر إليه اليوم كما كان يُنظر إلى الجدري قديمًا: بلاءٌ من القدر يجب احتماله. لكنني لا أراه مستعصيًا على العلاج، بل أنا مقتنع بأنه قابلٌ للعلاج الدائم. وأهميته البارزة كمصدر إزعاجٍ للبشرية كلها تستحق، في رأيي، أن يحظى باهتمامٍ خاص.
وعلى أي حال، أنا معارضٌ بشدة لنظرية «بلاء القدر»، لأنها غير علمية وبدائية، وتشجّع على الاستسلام بلا خجل. يستطيع الرجل أن يكون سيدًا في بيته. وإن لم يستطع أن يكون سيدًا بقوة الإرادة المجرّدة، فبإمكانه أن يكون سيدًا بالحيلة والدهاء. وأنا شخصيًا سأستعمل الذكاء للحفاظ على عرش العقل حين يوشك أن يُقلب في الذهن بأحد هذه التمردات المدمّرة المخزية للغريزة البهيمية.
لا فائدة من أن يجادل الرجل المعتاد على فقدان أعصابه نفسه بأن هذا التصرف حماقة، وأنه لا يخدم غاية ولا يجلب إلا الضرر. ولا فائدة من أن يجادل بأنه حين يترك أعصابه تنفلت يكون على الأرجح قاسيًا، وظالمًا بالتأكيد للأشخاص المضطرين إلى مشاهدة ذلك. ولا فائدة من أن يجادل بأن الرجل الحادّ الطبع في البيت كرجلٍ يتجول في البيت ومسدسٌ محشوّ يبرز من جيبه، وأن كل اعتبارات الإنصاف والعقل في ذلك البيت تخضع للخوف من المسدس، وأن السلام الذي يُحفظ في ذلك البيت كثيرًا ما يكون سلامًا مخزيًا ظالمًا. هذه الحجج لن تكون قوية بما يكفي لتغلب عادةً من أقوى العادات وأشدها تقلبًا.
يجب أن تُواجَه هذه العادة وتُهزم (ويمكن ذلك!) بصفةٍ في العقل البشري أقوى منها: الرعب الإنساني العام من أن يبدو المرء سخيفًا.
الرجل الذي يفقد أعصابه كثيرًا ما يظن أنه يفعل شيئًا رائعًا مهيبًا. والحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك: إنه يجعل من نفسه حمارًا فحسب. إنه يستعرض نفسه أحمقَ بلا كرامة، في تلك الصورة البالغة الحقارة: طفلٌ رضيع بحجم رجل. قد يرهب رفيقًا ضعيفًا بهياجه، أو بالعبوس القاتم لنارٍ أكثر خفوتًا، لكن في قلب أضعف رفاقه شعورًا راسخًا بالاحتقار له.
وطريقة معاملة أصدقاء الرجل الحادّ الطبع له تثبت أنهم يحتقرونه، فهم لا يعاملونه ككائنٍ عاقل. وكيف يعاملونه ككائنٍ عاقل وتمسّكه بعقله هشٌّ إلى هذا الحد؟ ولو أنه فقط يسمع ما يقال عنه من وراء ظهره!...
يستطيع المريض أن يعالج نفسه بأن يعلّم دماغه عادة الإقامة عند حماقته البالغة. فليركّز بانتظام، وبتثبيتٍ شديد، على هذه الأفكار:
«حين أفقد أعصابي، حين أتعكّر، حين يسري فيّ ذلك الاهتزاز الغامض، فأنا أجعل من نفسي حمارًا، حمارًا، ثم حمارًا! أتفهم؟ حمارًا سخيفًا! أنا أتصرف كطفلٍ كبير. أبدو أحمق. أنا مشهدٌ خالٍ من الكرامة. الجميع يحتقرني، ويبتسم لي في السر، ويزدري الحمار الأبله الذي يستحيل التفاهم معه بالعقل.»
في العادة يُخفي المريض عن نفسه هذا الجانب من مرضه، وسيتجنبه دماغه غريزيًا قدر ما يستطيع. لكنه في ساعات الهدوء يستطيع، ببطء وانتظام، أن يُجبر دماغه، بممارسة التركيز، على أن يألف هذا الجانب بالذات، حتى تصبح غريزته مع الوقت أن يفكر في هذا الجانب أولًا لا آخرًا. وحين يصل إلى هذه النقطة يكون قد نجا. فلا رجلَ تزوره، في أول لحظات الحريق، رؤيةٌ واضحة لنفسه حمارًا مكتملًا وموضعًا بائسًا للاحتقار، إلا وتكون لديه الإرادة لإطفاء الحريق.
لكن لاحظ أنه لن ينجح حتى يستطيع أن يفعل ذلك فورًا. الحريق حريق، ويجب أن تنطلق سيارات الإطفاء من المحطة وحدها في الحال. وهذا يعني اكتساب عادةٍ ذهنية. وفي المراحل الأولى من العلاج يجب عليه بالطبع أن يتجنب المواقف القابلة للاشتعال. وهذا أمرٌ بسيط تمامًا، إن كان الدماغ قد أُدّب حتى تخلّص من نسيانه الطبيعي.