المكتبة › الآلة البشرية › الفصل الثامن
الفصل الثامن من كتاب «الآلة البشرية»

الاحتكاك اليومي

أنا أتحدث الآن عن الشؤون اليومية العادية، لا عن المغامرات البطولية والطموحات والتضحيات. خذ اليوم، اليوم العادي في البيت العادي أو المكتب العادي. فمع أنه يأتي سبع مرات في الأسبوع، وهو أكثر الأشياء ابتذالًا، فإنه يستحق الاهتمام تمامًا. كيف تمضي الآلة فيه؟ آه! أفضل ما يمكن قوله عن الآلة إنها تمضي فيه، بطريقةٍ ما.

الاحتكاك نادرًا ما يكون من النوع الذي يُوقف الأمور تمامًا، لكنه متكرر. إنه من نوع الاحتكاك الذي، حين يحدث في دراجة، يكفي تمامًا لإزعاج راكبها، لكنه لا يكفي ليجعله ينزل عنها ويفحص محاملها. وأحيانًا يكون الاحتكاك صاخبًا جدًا بل مزعجًا، وفي فتراتٍ أندر يصرخ كفرامل حافلةٍ معطوبة.

أنت تعرف تلك الأيام التي تشعر فيها بأن الحياة ليست واسعة بما يكفي لتسع أهل البيت أو موظفي المكتب، حين يمكن تشبيه التعامل بين الناس بحركات شخصين استيقظا بصداعٍ شديد واضطرا إلى ارتداء ملابسهما في الوقت نفسه في غرفة نومٍ ضيقة جدًا. «بعدك بالمنشفة!» بنبرة تهذيبٍ مرٍّ يطحن الأسنان. «لو تكرّمت وأزحت أغراضك عن هذا الكرسي!» بصوتٍ لو كان رصاصةً لفجّر الرؤوس. أجرؤ على القول إنك تعرف تلك الأيام.

تجيب: «لكن هذه الأيام قليلة. في العادة...!» حسنًا، في العادة يستمر الاحتكاك، وإن كان أخف حدة. نحن نعتاده، ولا نكاد نلاحظه، كما لا يكاد من في غرفةٍ خانقة يلاحظ أنها خانقة. لكن الأثر المُتلِف للاحتكاك يستمر، وإن لم نلحظه. ثم نلاحظ ذات صباح ما خرّبه، فنكتب إلى الصحف نسأل: هل الحياة تستحق أن تُعاش؟ هل الزواج فاشل؟ هل الرجال أكثر تهذيبًا من النساء؟

والدليل على أن الاحتكاك، بدرجاتٍ مختلفة ومتغيرة، موجودٌ في معظم البيوت، أننا حين نصادف بيتًا لا احتكاك فيه نُدهش. لا نستطيع أن نفيق من هذه الظاهرة. وحين نصف هذا البيت لأصدقائنا نقول: «إنهم متفاهمون جدًا»، كأننا نقول: «لهم أجنحة ويستطيعون الطيران! تخيّل! هل سمعت بشيءٍ كهذا قط؟»

تسعون بالمئة من كل الاحتكاك اليومي سببها النبرة، مجرد نبرة الصوت.

جرّب هذه التجربة. قل لطفلٍ رضيع أو لكلب: «يا حبيبي الصغير، يا عزيزي الحلو، يا أجمل مخلوق!» لكن اصرخ بهذه الكلمات الجميلة بنبرة من يقول: «يا مصيبتي الصغيرة! لو سمعت صوتًا آخر لكسرت كل عظمة في جسمك!» سيبكي الرضيع حتمًا، وسينسلّ الكلب مبتعدًا حتمًا.

صحيحٌ أن الكلب ليس إنسانًا، ولا الرضيع كذلك. إنهما لا يفهمان. لكن قيمة التجربة تكمن بالضبط في أنهما لا يفهمان الكلمات ولا ينطقانها؛ فهي تفصل أثر النبرة عن أثر الكلمة المنطوقة.

من يتكلم يتكلم مرتين. كلماته تنقل فكرته، ونبرته تنقل موقفه الذهني من الشخص الذي يكلّمه. ومن ناحية الاحتكاك، الموقف بالتأكيد أهم من الفكرة.

قد تقول لك زوجتك: «سأشتري تلك القبعة التي حدّثتك عنها.» فتجيب بصدقٍ تام: «كما تشائين.» لكن نبرتك هي التي ستحدد ما توصله. هل توصل: «كما تشائين، فأنا حريص بمحبة على أن تُلبّى نزواتك البريئة»؟ أم توصل: «كما تشائين، فقط لا تزعجيني بالقبعات. أنا فوق القبعات. يُنفق في هذا البيت مالٌ كثير جدًا على القبعات. لكن ما حيلتي!»؟ أم توصل: «كما تشائين يا حبيبة قلبي، لكن إن أردتِ أن تكوني لطيفة فتمهّلي، فوضعنا ضيقٌ نوعًا ما»؟ لا حاجة لأن أطيل، فأنا واثق من أنني مفهوم.

ولأن النبرة تعبيرٌ عن الموقف، فهي بالطبع ناتجة عن الموقف. والنبرة المسبّبة للاحتكاك ناتجة أساسًا عن موقف اللوم العام الذي أدنته سابقًا لأنه سخيفٌ ولا مبرر له. وكلما فقدنا تدريجيًا موقف اللوم السخيف هذا بالتأديب اليقِظ المستمر، تغيّرت النبرة من تلقاء نفسها تدريجيًا.

لكن يمكن للتحسينين أن يسيرا معًا. والغريب أن النبرة اللطيفة التي تتبنّاها عمدًا وبتكلّف تؤثر في الموقف الذهني بقدر ما يؤثر الموقف الذهني في النبرة تقريبًا. فإن شعرت بصدق باستياء من شخص ما، لكنك، بعد أن فهمت حماقة الغضب، أخفيت غضبك عمدًا تحت نبرةٍ ودودة مقنعة، فسيبدأ غضبك يخفّ فورًا. ستنقاد إلى سلسلة أفكار عقلانية، وسترى أن الشخص الذي استأت منه له في النهاية حقٌّ في الوجود، وأنه ليس ممسحة أقدام ولا نذلًا، وأن الغضب على أي حال لا يُكسب شيئًا ويُخسر الكثير. وسترى أن الغضب لا يليق بك.

هل تذكر رقّة النبرة التي استعملتها بعد أن التأم أول خلافٍ بينك وبين رفيقٍ عزيز؟ هل تذكر النبرة المقنعة التي استعملتها حين أردت أن تحصل على شيء من شخصٍ صعب كانت سعادتك تعتمد عليه؟ فلماذا لا تجمع نبرتك هذه الصفات دائمًا؟ لماذا لا تهذّب نبرتك بعناية؟ هل يُنزل من قدرك أن تضمن أكبر قدرٍ ممكن مما تريد بأبسط الوسائل؟ أم أن في خلفية ذهنك تلك الفكرة القائلة بأن التهذيب والتعاطف واحترام روحٍ خالدة أخرى يعني ضعفًا مؤسفًا من جهتك؟

تقول إن سعادتك لا تعتمد على كل شخصٍ يصادف أن تكلّمه. بل تعتمد. سعادتك تعتمد دائمًا على ذلك الشخص بالذات. سبّب احتكاكًا وستعاني. ولا فائدة من أن تجادل بأنه ليس من حق الشخص أن ينزعج من نبرتك! لقد سبّبت احتكاكًا كان يمكن تجنّبه، لا لشيء إلا لأن آلتك للتعامل مع محيطك كانت تعاني من الكِبر أو الجهل أو الطيش.

تقول إنني أصنع من الحبّة قبّة. لا! أنا أصنع قبّةً من عشرة ملايين حبّة. وهذا ما تفعله الحياة. الأسباب الصغيرة المستمرة هي التي تُحدث الآثار الكبيرة.

أكرر: لماذا لا تتبنّى عمدًا نبرةً لطيفة مقنعة، لمجرد أن ترى النتائج؟ بالتأكيد لا تخجل من أن تكون حكيمًا. قد تبتسم بتعالٍ وأنت تقرأ هذا. لكنك تعرف جيدًا أنك عزمت أكثر من مرة على أن تستعمل نبرةً لطيفة مقنعة في كل المناسبات، وأن السبب الوحيد لذلك الشجار المريع أمس مع قريبتك هو أنك فشلت منذ زمن في الوفاء بعزمك. لقد كنت على رأيي مرة، وأكثر من مرة.

ما عليك فعله هو أن تعلّم دماغك العادة الجديدة بالتركيز اليومي عليها، بأن تُجبر دماغك على ألا يفكر في شيء غيرها نصف ساعة كل صباح. وبعد مدة سيبدأ الدماغ بالتذكّر تلقائيًا. فتفسير فشلك السابق بالطبع أن دماغك غير المنضبط نسي ببساطة في اللحظة الحاسمة. خرجت النبرة من فمك قبل أن يستيقظ دماغك.

يجب أن تراقب كأنك حارس، لا النبرة الخاطئة وحدها، بل سائر أعراض موقف اللوم أيضًا، مثل العبوس. يجب أن تراقب نفسك باستمرار وبأدق التفاصيل.

تستلقي في السرير نصف ساعة وتركّز بحماس على هذه الخطة الجديدة الجميلة للنبرة الصحيحة. ثم تنهض، ولأنك لم تُحسن عقد ربطة العنق من أول مرة، تعبس وتشتم وتصرّ على أسنانك! هذا عَرَضٌ من أعراض الموقف الخاطئ من محيطك. أنت مستيقظ، لكن دماغك ليس مستيقظًا. وفي مثل هذا العَرَض تستطيع أن تحكم على نفسك. وليس عرضًا تافهًا أيضًا! فإن كنت تعبس في وجه ربطة عنق، وتقول لربطة عنق كلامًا لا يليق برجلٍ محترم أن يقوله لربطة عنق، فماذا ستكون قادرًا عليه مع كائنٍ مسؤول؟... نعم، الأمر صعبٌ جدًا. لكنه ممكن.

الكتاب الأصلي The Human Machine لأرنولد بينيت (1908) في الملكية العامة. الترجمة العربية من PaperFlip، ويمكنك قراءتها ومشاركتها مجانًا مع ذكر المصدر.