الدماغ: ذلك المتطوّع الطليق
ليست المشكلة في عمل العيش اليومي أننا نجهل النتائج التي ينبغي أن نحققها، أو الوسائل العامة التي يجب أن نستعملها لتحقيقها. فمع كل انشغالنا بتمهيدات العيش، وكل إهمالنا للعيش نفسه، نصل سريعًا إلى فكرةٍ دقيقة إلى حدّ معقول عمّا يكون عليه العيش المُرضي، وندرك بشيءٍ من الوضوح الطرق اللازمة للنجاح.
لقد صوّرت لك الرجل الذي يستيقظ في منتصف الليل فيرى الفشل شبه الكامل المروّع لحياته. فدعني الآن أصوّر لك الرجل الذي يستيقظ منتعشًا في صباحٍ صيفيٍّ جميل، فينظر في ذهنه بعينَي الأمل والخبرة، لا الخبرة واليأس. سيقضي ذلك الرجل نصف ساعةٍ ممتعة يفكّر في نظام الكون كما يمسّه هو. إنه واضحٌ تمامًا في أن رضاه يعتمد على أفعاله هو، وأن لا قوة تستطيع أن تمنعه من القيام بتلك الأفعال. فيخطط لكل شيء، وقبل أن ينهض من فراشه يعرف بدقة ما يجب أن يفعله وما سيفعله في أزماتٍ ومنعطفاتٍ متوقَّعة. إنه يرغب بصدقٍ في أن يعيش بكفاءة، فمن ذا الذي يريد أن يُفسد وجوده كل يوم؟ ويعرف الطريق إلى تحقيق رغبته.
ومع ذلك، انتبه لما أقول! لن تمضي على هذا الرجل ساعة واحدة واقفًا على هذه الأرض الصعبة حتى تكون الآلة قد تعطّلت بوضوح لا لبس فيه. الآلة التي صُمّمت لتؤدي عمل العيش هذا، والقادرة على أدائه أداءً متقنًا تمامًا، لكنها لم تُضبط! فما فائدة أن تراجع خريطة الحياة وترسم خط السير وتُخرج الآلة من السقيفة وتنطلق، إن كانت نصف الصواميل مفكوكة، أو عمود القيادة ملتويًا، أو الخزان خاليًا من الوقود؟ (وبعد هذا السؤال سأترك تشبيه السيارة، فهو أخشن وأفظّ من أن يناسب دقة الموضوع.)
أين تعطّلت الآلة البشرية؟ تعطّلت في الدماغ. ماذا؟ هل في رأسه «خلل»؟ نعم بكل تأكيد، وبكل معنى الكلمة.
إنه يعرف، ولا أحد أعرف منه، أن زوجته حين تستعمل نبرةً معيّنة فيها عشرة غرامات من الحدّة، فيردّ هو بنبرةٍ فيها أحد عشر غرامًا، فإن العواقب ستكون انفجارية. ويعرف من جهة أخرى أنه لو ردّ بنبرةٍ ليس فيها إلا قطرة صغيرة من العسل، فقد تكون العواقب لائقة بكائنين عاقلين. إنه يعرف ذلك. دماغه يعرفه تمامًا. ثم ماذا! بينما دماغه يجادل بأن النساء حقًا سخيفات أكثر من اللازم (كأن هذه هي المسألة)، إذا به يرسل أوامره إلى عضلات الحلق والفم، فيخرج الردّ وفيه أحد عشر غرامًا من الحدّة على الأقل، وتصبح العلاقة الزوجية في خطرٍ طوال اليوم.
لم يكن يريد أن يفعل ذلك. كانت رغبته ألا يفعله. وهو يحتقر نفسه لأنه فعله. لكن دماغه لم يكن في حالة عمل سليمة. لقد انفلت دماغه وانطلق من تلقاء نفسه، ضد العقل، وضد الرغبة، وضد قرارات الصباح. وها هو ذا!
هذا مثالٌ واحد فقط، ومن أبسط الأمثلة وأهونها. ويمكن مضاعفة الأمثلة. فقد يكون الرجل شابًا يعتمد مستقبله القريب على نجاحه في امتحان، امتحانٍ يستطيع أن ينجح فيه بسهولة تامة، ولا شيء يمكن أن يمنعه من النجاح، لو أن دماغه فقط لم يكن سخيفًا إلى حدّ أن يأمر ساقيه بالخروج من البيت نحو ملعب التنس بدل أن يصعد بهما إلى غرفة المذاكرة. ولو أن دماغه، بعد أن يستقر به في غرفة المذاكرة، انصرف إلى صفحات الكتب بدل أن يسرح في صورة فتاةٍ لطيفة، لا تشبه سائر الفتيات أبدًا.
أو قد يكون الرجل شيخًا سيعيش في راحةٍ تامة، لو أن دماغه فقط لم يدُر بلا نهاية في حلقةٍ من المظالم والمخاوف والهواجس التي لا يقدر أي قدرٍ من التأمل أن يمحوها، بل ولا أن يخففها.
الدماغ، الدماغ، هو موضع المشكلة! تقول: «حسنًا، طبعًا. كلنا نعرف هذا!» لكننا على أي حال لا نتصرف كأننا نعرفه. لقد هتف كاتبٌ عظيم: «يا رب، زِدنا عقولًا!» وأظن شخصيًا أنه كان أحكم لو طلب أولًا القدرة على ضبط ما لدينا من عقول. فنحن بلا شك نملك ما يكفي من العقل، وبقدر ما نستطيع أن نتدبّره. وأعظم المخرّبين في العيش هم غالبًا أشخاصٌ ذوو قدرات ذهنية لافتة حقًا، وموهبة لافتة في أن يكونوا حكماء لغيرهم.
المؤسف أن لأدمغتنا عادةً في «الشرود»، كما يسمّونه بأدب. بل إن شرود الدماغ صار يُعدّ اليوم مرضًا قائمًا بذاته.
تُرى ماذا ستقول، أيها التاجر صاحب المكتب في وسط المدينة، لصبيّ مكتبك الذي أرسلته في مهمةٍ عاجلة إلى الطرف الآخر من المدينة، ثم وجدته يلهو قرب محطة القطار وأنت تهرع لتلحق بقطار عطلة نهاية الأسبوع؟ يقول لك: «أرجوك يا سيدي، لقد انطلقت إلى حيث أرسلتني، لكن في أطرافي شيئًا غريبًا يجعلني أمشي في كل أنواع الشوارع. لا حيلة لي يا سيدي!» فتقول له: «لا حيلة لك؟ إذن الأفضل أن تذهب وتكون صبيّ مكتبٍ عند شخصٍ آخر.» ودماغك أسوأ من ذلك الصبي، وأقدر منه على الأذى بطريقةٍ أخفى.
أتصوّر دماغ الرجل العادي حسن النية كأن له طباع وعادات أحد أولئك السادة المتطوعين الطلقاء، الذين ليس لديهم عملٌ عاجل، فيتجولون ويعرضون خدماتهم مجانًا على عملٍ خيريٍّ تنقصه الأيدي. وهم في العادة يُفسدون إدارة العمل ويُربكونه خلال أسبوعين تقريبًا. يأتون متى شاؤوا ويذهبون متى شاؤوا. أحيانًا يكونون مجتهدين جدًا ومطيعين، لكن هناك احتمالًا متساويًا بأن يتهرّبوا ويتبعوا هواهم. ولا يجوز أن تكلّمهم أو توقفهم عند حدّهم، أليسوا قد تطوّعوا مشكورين، ويهبون أيامهم بلا مقابل؟! هؤلاء بلاءُ كل مشروعٍ يتنازلون للتدخّل فيه.
وفي دماغ كلٍّ منا قدرٌ كبير جدًا من هذا المتطوّع الطليق. لا يحق لدماغك على الإطلاق أن يتصرف كمتطوّعٍ طليق، لكنه في الواقع يفعل. ينسى، ويتجاهل الأوامر صراحة، وفي اللحظة الحاسمة، حين يكون الضغط في أعلاه، يشعل سيجارة ببساطة ويخرج للتنزّه. ونحن نقبل هذا السلوك بخنوع!
يقول الشاب الذي سيرسب في امتحانه رغمًا عنه: «لم أكن في مزاجٍ للمذاكرة.» ويقول الزوج الذي زوجته امرأة كسائر النساء: «خرجت الكلمات من فمي قبل أن أنتبه.» ويقول الفنان: «لم يأتني الإلهام اليوم.» ويقول الرجل الذي يموت من الشراهة: «لا أستطيع مقاومة الجبن.» ويقول العجوز القلِق: «لا يستطيع المرء أن يتحكم في أفكاره.» وهذه العبارة الأخيرة تعبّر في الحقيقة عن العذر السري للخمسة جميعًا.
وتقولون لي كلكم: «دماغي هو أنا. كيف أغيّر نفسي؟ لقد وُلدت هكذا.» أولًا: أنت لم تولد «هكذا»، بل انحدرت إلى هذه الحال. وثانيًا: دماغك ليس أنت. إنه جزءٌ منك فقط، وليس أعلى مقامٍ للسلطة فيك. هل تحب أمك أو زوجتك أو أولادك بدماغك؟ هل ترغب بدماغك؟ باختصار: هل تعيش في النهاية وفي الجوهر بدماغك؟ لا.
دماغك أداة. والدليل على أنه أداة أنك حين تلحّ عليك الضرورة القصوى تستطيع أن تأمر دماغك بأن يفعل أشياء معيّنة، فيفعلها.
وهذا هو المبدأ الأول من المبدأين العظيمين اللذين تقوم عليهما كفاءة الآلة البشرية:
الدماغ خادم، وهو خارج القوة المركزية للذات. وإذا كان خارج السيطرة فليس السبب أنه لا يمكن السيطرة عليه، بل لأن تأديبه أُهمل.
يمكن تدريب الدماغ كما تُدرَّب اليد والعين، ويمكن جعله مطيعًا مثل كلب الصيد، وبأساليب مشابهة. وإلى ذلك الحين، فإن التحضير الذي لا غنى عنه لتأديب الدماغ هو أن تكتسب عادة النظر إلى دماغك على أنه أداةٌ خارجة عن ذاتك، مثل اللسان أو القدم.