هواةٌ في فنّ العيش
إذا تذكّرنا أننا سنقضي حياتنا كلها داخل هذه الآلة البشرية، وأنها وسيلتنا الوحيدة للتواصل مع بقية العالم والتفاهم معه، فإننا في الحقيقة لا نمنحها إلا قدرًا ضئيلًا جدًا من الاهتمام. وحين أقول «نحن» أعني أرواحنا العميقة، الجزء الغريزي فينا، ذلك السرّ الكامن في داخلنا. وحين أقول «الآلة البشرية» أعني الدماغ والجسد، والدماغ قبل كل شيء. أما تعبير الروح عن نفسها بواسطة الدماغ والجسد فهو ما نسمّيه «فنّ العيش».
ونحن بالتأكيد لا نتعلم هذا الفن في المدرسة بأي قدرٍ يُذكر. في المدرسة يعلّموننا أن من الضروري أن نحرّك أذرعنا وسيقاننا عددًا معيّنًا من الساعات كل يوم. ويُرونا عمليًا أن أدمغتنا قادرة على أداء حيلٍ مفيدة معيّنة، وأننا إن لم نُجبرها على أدائها سنعاني. فنركض يومًا إلى البيت ونعلن لوالدينا المبتهجين أن أحد عشر في اثني عشر تساوي 132. يا له من إنجازٍ للدماغ! ويستمر الأمر هكذا حتى يبدأ آباؤنا بالنظر إلينا بإعجاب لأننا نستطيع الثرثرة عن جيوب التمام أو رسم الخطوط العريضة لسياسة لويس الرابع عشر الخارجية. حسنٌ! لكن لا كلمة واحدة حتى الآن عن مبادئ فن العيش! لا شيء سوى بعض القواعد المتفرقة من والدينا، نتبعها بلا تفكير حين تطرأ أزمة بعينها. والحق أنه من العبث أن تحدّث تلميذًا عن تعبير روحه، فالأرجح أنه سيتمتم بكلمة لا تليق.
المدرسة بالطبع مجرد تحضيرٍ للعيش، إلا إن ذهب المرء إلى الجامعة، فتصير عندئذ تحضيرًا للجامعة. ويُفترض أن يوجّه المرء اهتمامه إلى العيش بعد أن تنتهي هذه التمهيدات، أي في نحو العشرين من عمره. ولا شك أنه يعيش حينها، لكن لا جديد في ذلك، فقد كان يعيش طوال الوقت بطريقةٍ ما، وكان طوال الوقت يستعمل الآلة دون أن يفهمها.
لكن هل يبدأ المرء، بعد انتهاء المدرسة والجامعة، بدراسة الآلة؟ أبدًا. يصبح السؤال عندئذ ليس «كيف أعيش؟» بل «كيف أحصل على وضعٍ يمكّنني من العيش وأحافظ عليه؟». كيف أحصل على قطعٍ صغيرة من حيواناتٍ ونباتاتٍ ميتة أبتلعها كي لا أموت جوعًا؟ وكيف أقتني، وأجدّد باستمرار، مخزونًا من قطعٍ أخرى من حيواناتٍ ونباتاتٍ ميتة ألفّ بها نفسي كي لا أموت بردًا؟ وكيف أنال حقّ الدخول الحصري إلى أكواخٍ معيّنة أنام فيها وآكل دون أن تمطر عليّ غيوم السماء؟ وهكذا دواليك.
وحين يحقق المرء هذا الطموح، تأتي الرغبة في أن يضاعف العملية ويقوم بها لا لنفسه وحده، بل لنفسه ولشخصٍ آخر. إنه الزواج! ومع ذلك لا يُمنح حتى الآن أي اهتمامٍ علميٍّ متواصل لعمل العيش الحقيقي: للتعامل السلس مع الناس، وللتعبير عن الذات، وللتكيّف الواعي مع المحيط. باختصار: لدراسة الآلة.
في الثلاثين، الأرجح أن الرجل يفهم كيف تسحب المدخنة الهواء أفضل مما يفهم جهازه التنفسي، وهذا مثال واحد من الأشياء البسيطة الواضحة. أما أن يفهم كيف يعمل دماغه هو، فيا لها من فكرة! وأما المهارة في تجنّب هدر الطاقة الذي يسببه الاحتكاك في عمل العيش، فهل نمنحها ساعة واحدة في الشهر؟ هل نفحصها أصلًا إلا بطريقة هواةٍ متعثّرة؟
ترسم آنسةٌ شابة لوحةً بالألوان المائية، فنقول: «جميلة جدًا!» ونضيف في سرّنا: «بالنسبة لهاوية.» لكن عيشنا نحن أكثر هوايةً من رسم تلك الآنسة، مع أنه ينبغي لكل واحدٍ منا أن يكون محترفًا في العيش!
وحين نكون قد انشغلنا بتمهيدات العيش نحو خمسٍ وخمسين سنة، نبدأ بالتفكير في التمهّل. وحتى هذه المرحلة، لم يكن سبب عدم دراستنا لفن العيش دراسةً علمية، أي إتقان الأجزاء الدقيقة من الآلة واستعمالها، أننا افتقرنا إلى وقت الفراغ، فأغلبنا لديه أكوامٌ هائلة منه. السبب أننا كنا ببساطة مستغرقين في التمهيدات، بل عاملنا التمهيدات كأنها العمل نفسه.
إذن، في الخامسة والخمسين ينبغي أن نبدأ أخيرًا بعيش حياتنا بمهارة المحترف، كما يرسم الرسّام المحترف لوحاته. نعم، لكننا لا نستطيع. لقد فات الأوان. فلا الرسّامون ولا لاعبو السيرك ولا أي محترفين يمكن صنعهم في الخامسة والخمسين. وهكذا ننهي حياتنا هواةً كما بدأناها.
وحين تصرّ الآلة فتضرس أسناننا، أو ترفض أن تطيع المقود فتلقينا في الخندق، نقول: «لا حيلة لنا!» أو «لا يهم! سيكون كل شيء سواء بعد مئة سنة!» أو «يجب أن أتدبّر الأمر بأفضل ما يمكن.» ونحاول أن نقنع أنفسنا بأننا حين قبلنا الوضع القائم فقد برّرناه، ونحن طوال الوقت نشعر بعدم صدقنا.
تصيح: إنك تبالغ! نعم، أبالغ. فلكي تُبرز جانبًا من الأمور يُغفَل عادة، لا بد من المبالغة. والترخّص الشعري اسمٌ من أسماء هذا النوع من المبالغة. لكنني أبالغ قليلًا جدًا، أقل بكثير مما تظن على الأرجح.
أعرف أنك ستلفت نظري إلى أن أعدادًا هائلة من الناس يقضون بانتظام جزءًا كبيرًا من أوقات فراغهم في السعي إلى تحسين أنفسهم. مسلَّم! وأنا سعيدٌ بذلك. لكنني سأكون أسعد لو كان سعيهم أوثق صلةً بعمل العيش اليومي، أي بالتعبير عن الذات دون احتكاك ودون رغباتٍ عقيمة.
انظر إلى هذا الرجل الذي يدرس بانتظام كل مساء من حياته! لقد فهم حقًا طبيعة الشعر، وذوقه رائع. يلقي الشعر بإحساسٍ صادق، ويمكن القول إنه رجلٌ مثقف جدًا. والشعر مصدر متعةٍ دائمة له. صحيح! لكن لماذا يشكو دائمًا من أنه لا ينال ما يستحقه في عمله؟ لماذا يقلقه المال؟ لماذا يتجهّم في وجه زوجته كثيرًا؟ لماذا يصرّ على أن يأكل أكثر مما تحتمله معدته؟
لم يُكتب في كتاب القدر أن يشكو ويقلق ويتجهّم ويتألم. ولو كان محترفًا في العيش لما فعل هذه الأشياء. ولا سبب يدعوه لفعلها، إلا أنه لم يتعلم عمله قط، ولم يدرس الآلة البشرية ككلٍّ قط، ولم يفكّر في العيش تفكيرًا عقلانيًا حقيقيًا قط.
تخيّل أنك صادفت سائق سيارة ينحرف ويحتكّ في كل أنحاء الطريق، فتوقفت لتسأله ما الخطب، فأجابك: «لا يهم ما الخطب. انظر فقط إلى مصابيحي الجميلة، كيف تلمع، وكيف لمّعتها!» لن تعدّه سائقًا بارعًا، بل لن تعدّه رجلًا عاقلًا تمامًا. وكذلك صاحبنا دارس الشعر. فلا شك أن قدرًا كبيرًا مما يسمى «تحسين الذات» هو في الحقيقة مجرد تدليلٍ للذات: نوعٌ من المتعة لا يحسّن إلا جزءًا معيّنًا من الآلة، وبالصدفة، وعلى حساب أجزاءٍ أهم منه بكثير.
غايتي أن أوجّه انتباه الإنسان إلى نفسه ككل، باعتباره آلةً معقّدة قادرة على كفاءةٍ استثنائية تمامًا، يسافر بها في هذا العالم بسلاسة، وبالطريقة التي يريدها، فيرضى هو ويرضى معه الناس الذين يلقاهم في طريقه، ومن يتجاوزونه ومن يتجاوزهم. وغايتي أن أبيّن أن جزءًا ضئيلًا لا يكاد يُذكر من جهودنا المنظّمة المتواصلة يُمنح لعمل العيش الفعلي، تمييزًا له عن تمهيدات العيش.